هي القصيدة الأجمل..
وهي النموذج الأمثل للشعر العربي الحديث..
وهي أروع ما أنتج شعراء العصر الحديث..
هي بكل بساطة أنشودة المطر..
للشاعر العراقي المتوفى بدر شاكر السياب
المقال طويل.. والحديث عن المطر جميل.. وأنشودة المطر.. هي أجمل التناقضات وأروعها على الأطلاق.. لمتذوقي الشعر الرفيع..

كتبت فيها العديد من الدراسات الأكاديمية.. وتولاها العديد من الشعراء والنقاد بأقلامهم..

يقول محمد لطفي اليوسفي في بداية حديثه عن أنشودة السياب:

بدر شاكر السياب مبدع “أنشودة المطر” جمع في شعره كل المفارقات التي خلخلت البلاد العربية وهزتها جذريا منذ بداية الخمسينات ثقافياً وأجتماعياً.. أنه شاعر الحب، والثورة، والموت.

لذلك يمكن أن نقول بأن قراءة نتاجه هي، بمعنى ما، محاولة للنفاذ إلى عمق تلك المفارقات وضبط إرهاصات التحولات الكبرى التي شهدتها القصيدة العربية.

ذلك أنه -أي السياب- من أول المبدعين الذين مارسوا التغيير وعانوا من عذاباته عندما شرعوا في البحث عن القصيدة التي تلغي نهائياً مسألة الموضوع الواحد (الغرض)، وتستوعب تجربة حياتية كاملة تقولها بلغة شعرية تستمد كل طاقاتها الفنية من النصوص ما يوفره من أبعاد جمالية تستند إلى علاقاته الداخلية وحركاته.

تنبني قصيدة أنشودة المطر.. على علاقة مركزية تنشأ بين صوت الشاعر والرمز الذي يستدعيه (عشتار: آلهة الخصب)، التي يتحول النص في حضرتها إلى قداس ابتهالي تمثل هذه العلاقة دائرة مركزية أولى يتحلق حولها حشد من الدوائر المتتابعة.

فنلمح في الدائرة الثانية الأم التي ماتت والطفل يهذي قبل أن ينام.

ونرى في الدائرة الثانية “العراق الذي يذخر الرعود و البروق” ألخ… حتى لكأن القصيدة سلسلة من التموجات الدائرية التي تقود الواحدة منها إلى الأخرى على نحو انسيابي تلقائي.

لذلك يتجلى النص في شكل حشد من الومضات المتناوبة، تأتي لتضيء الواقع كشكل دوري وتكشف التناقضات التي تعتمل في صلبه، ثم تغور من جديد في منبعها (صوت الشاعر).

نتيجة لهذا الشكل الدائري، تتمكن القصيدة من الإحاطة بمسيرة الشاعر ووطنه، تنفذ في نبرة درامية، إلى دواخل هذه التجربة، محاولة أن تصوغها في قالب “أسطورة ملحمية”.
 

أما الشاعر قاسم حداد فيقول في مستهل حديثه عن السياب والمطر:

ثلاثون موتاً مطر واحد و محتملان..

أعرف صديقاً، كلما هطل مطر فـي الأرض، جـاء يدق بقبضتـه جدار غرفتـي صارخـاً:
” أخرج، لقد جـاء المطر وعلينا أن نقرأ أنشودة السيـاب”.

فأخرج معه، دائما كنت أخرج، ليأخذنـي بسيارته ونقف على سـاحل البحـر والمطر يغسل كل شيء، يخـرج ديوان “أنشودة المطر” ويطلب مني أن أقرأ، فيما هو يحـتـقن.

هكذا كل شتاء.. صديق مثل هذا، يقرأ المطر بدموع السياب، لن يغفر لي سهواًَ ولا غفلة عن الشعر، معبراً عن إعجابه الأزلي ببدر، و متوغلاً معي فـي تحـولات الفصول منذ الدرس الأول.

ذلك الدرس الذي صاغ اتصال جـيلنا بالشعر بوصفه مطر الحيـاة على يبـاس الأرض. لكي يوشك الارتباط الخرافـي بين السيـاب والمطر أن يصبـح أحـد معالم الثـقافة العربية المعاصرة.

ليـس لأن “أنشودة المطر” خصوصاً هي واحـدة من أهم التجـارب الشعرية العربيـة، المؤسسة فحـسب، ولكن لأن الهيـام الوجـودي بالمطر لدي السيـاب يشكل المفارقة الحيـاتية التي صاغت تجـربـة السيـاب الرؤيوية.

فهو الشاعر العربـي الذي مات لفرط المرض والعوز بـالمعنى المادي للكلمة، مات وهو يصوغ شعراً فتح، لأكثر من جـيل الأفق للشعر العربـي برحـابة نهر لا ينضب.

وهنا تكمن طاقة الرؤيا التي سيصدر عنها السياب ذاهباً نحـو قدره المأساوي.
ذهب غير محسود ٍ على الموت…

 

النص الكامل لأنشودة المطر:

عيناك غابتا نخيلٍ.. ساعة السحر
أو شرفتان.. راح ينأى عنهما القمر
عيناك حين تبسمان.. تورق الكروم
وترقص الأضواء.. كالأقمار في نهر
يرجه المجداف وهناً ساعة السحر
كأنما تنبض في غوريهما النجوم

وتغرقان في ضباب من أسى شفيف
كالبحر سرح اليدين فوقه المساء
دفء الشتاء فيه.. و أرتعاشة الخريف
و الموت.. والميلاد.. والظلام.. والضياء
فتستفيق ملء روحي.. رعشة البكاء
كنشوة الطفل إذا خاف من القمر..

كأن أقواس السحاب تشرب الغيوم
وقطرةً فقطرةً تذوب في المطر..
وكركر الأطفال في عرائش الكروم
ودغدغت صمت العصافير على الشجر
أنشودة المطر..
مطر.. مطر.. مطر

تثاءب المساء و الغيوم ما تزال
تسح ما تسح من دموعها الثقال
كأن طفلاً بات يهذي قبل أن ينام
بأن أمه.. التي أفاق منذ عام
فلم يجدها.. ثم حين لج في السؤال
قالوا له: بعد غدٍ تعود..!
لابد أن تعود!
وإن تهامس الرفاق أنها هناك
في جانب التل تنام.. نومة اللحود
تسف من ترابها.. وتشرب المطر
كأن صياداً حزيناً يجمع الشباك
ويلعن المياه و القدر
و ينثر الغناء حيث يأفل القمر
المطر.. المطر

أتعلمين أي حزنٍ يبعث المطر؟!
وكيف تنشج المزاريب إذا أنهمر!
و كيف يشعر الوحيد فيه بالضياع!
بلا انتهاءٍ كالدم المراق.. كالجياع!
كالحب.. كالأطفال.. كالموتى..! هو المطر!

ومقلتاك بي تطيفان مع المطر
وعبر أمواج الخليج تمسح البروق
سواحل العراق بالنجوم و المحار
كأنها تهم بالشروق..
فيسحب الليل عليها من دم دثار
أصيح بالخليج: يا خليج..
يا واهب اللؤلؤ و المحار و الردى..
فيرجع الصدى..
كأنه النشيج:
يا خليج..
..يا واهب المحار و الردى
أكاد أسمع العراق يذخر الرعود
ويخزن البروق في السهول و الجبال
حتى إذا ما فض عنها ختمها الرجال
لم تترك الرياح من ثمود
في الواد من أثر
أكاد أسمع النخيل يشرب المطر
وأسمع القرى تئن.. و المهاجرين
يصارعون بالمجاديف وبالقلوع
عواصف الخليج و الرعود.. منشدين:
مطر.. مطر.. مطر

وفي العراق جوعٌ
وينثر الغلال فيه.. موسم الحصاد
لتشبع الغربان والجراد
وتطحن الشوان والحجر
رحىً تدور في الحقول.. حولها بشر
مطر.. مطر.. مطر

وكم ذرفنا ليلة الرحيل من دموع
ثم أعتللنا.. خوف أن نلام.. بالمطر
مطر.. مطر
ومنذ أن كنا صغاراً.. كانت السماء
تغيم في الشتاء
ويهطل المطر..
وكل عامٍ.. حين يعشب الثرى.. نجوع
ما مر عامٌ والعراق ليس فيه جوع
مطر.. مطر.. مطر
في كل قطرة من المطر
حمراءٌ أو صفراء.. من أجنة الزهر
وكل دمعة من الجياع و العراة
وكل قطرة تراق من دم العبيد
فهي أبتسامٌ في أنتظار مبسمٍ جديد
أو حلمةٌ.. توردت على فم الوليد
في عالم الغد الفتي واهب الحياة
مطر.. مطر.. مطر
سيعشب العراق بالمطر..

أصيح بالخليج: يا خليج..
يا واهب اللؤلؤ والمحار والردى
فيرجع الصدى..
كأنه النشيج:
يا خليج..
يا واهب المحار والردى

وينثر الخليج من هباته الكثار
على الرمال.. رغوة الأجاج.. و المحار
وما تبقى من عظام بائسٍ غريق
من المهاجرين ظل يشرب الردى
من لجة الخليج والقرار
وفي العراق ألف أفعىً تشرب الرحيق
من زهرةٍ يربها الرفات بالندى
وأسمع الصدى
يرن في الخليج
مطر.. مطر.. مطر
في كل قطرةٍ من المطر
حمراءٌ أو صفراء.. من أجنة الزهر
وكل دمعةٍ من الجياع و العراة
وكل قطرةٍ تراق من دم العبيد
فهي أبتسامٍ في أنتظار مبسم جديد
أو حلمة توردت على فم الوليد
في عالم الغد الفتي.. واهب الحياة

ويهطل المطر.

قصيدة كهذه.. بحق تعتبر أسطورة.. وبالطبع تحتاج لحنجرة أسطورية.. مع ملحن بارع لأبعد الحدود.. ليجعل من أنشودة المطر (( سيمفونية المطر )).. ولحسن الحظ أن هناك فناناً للعرب.. أستطاع فك طلاسم هذه المعادلة.. وأبدع إلى أبعد الحدود في رسم المطر.. وعيون النخل.. ولجة القرار في مباه الخليج.

(خلال كتابة هذه الاسطر.. يرقد الاستاذ محمد عبده في أحد مستشفيات باريس بعد مروره بوعكة صحية، نسأل الله عز وجل أن يشفيه، وأن يرجع إلى كافة عشاقه ومحبيه سليماً معافى)

 

نبذة عن الشاعر:
بدر شاكر السياببدر شاكر السياب التميمي (24 ديسمبر 1926-1964م) شاعر عراقي ولد بقرية جيكور جنوب شرق البصرة. درس الابتدائية في مدرسة باب سليمان في أبي الخصيب ثم انتقل إلى مدرسة المحمودية وتخرج منها في 1 أكتوبر 1938م. ثم أكمل الثانوية في البصرة ما بين عامي 1938 و 1943م. ثم انتقل إلى بغداد فدخل جامعتها دار المعلمين العالية من عام 1943 إلى 1948م، والتحق بفرع اللغة العربية، ثم الإنجليزية. ومن خلال تلك الدراسة أتيحت له الفرصة للإطلاع على الأدب الإنجليزي بكل تفرعاته.

 

* المقال الاصلي كان بتاريخ 13 مارس 2002م في منتديات الديار العربية

 

Pin It on Pinterest

Share This